لويس شيخون وآخرين
43
مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )
والناس في أكثر ذلك مائلون إلى البطالة مستلذّون بها . وذلك انهم يكرهون الأدب والسيرة الحسنة هربا من المشقة ويؤثرون الفراغ والبطالة طلبا للتودّع ويفنون أعمارهم في طلب اللعب إلى الشقوة وليس يكون مع البطالة وتعطيل الأدب بقاء ملك ولا ذبّ عن حريم ولا صلاح عامّة فالامر على ما وصفت أولا من الحاجة إلى سنّة مقوّمة ومدبّر يقوم بها فيحمل العوامّ على حسن السيرة . اما أهل الدناءة ولؤم الطباع فبالحياء وكيف تكون سنّة عامّة الّا بمدبّر عامّ ومن الذي يجمع الناس على الألفة والاستقامة وينصر السنّة ويقيمها الّا رجل له قدر كبير وقدرة ظاهرة تكون في مصر عظيم فيكون ظهيرا للسنّة ورباطا للألفة فبمثل هذا الرجل يقدر على استدامة حسن السيرة في المدن ونفي الفواحش عنها وليس تصلح المدن الّا بصلاح الرؤساء والمدبّرين وينبغي ان يكون هذا الرجل جزلا كاملا ليس في الشجاعة والعدل وأصناف الفضائل فقط ولكن في القوّة والعدّة أيضا ليقوى على ضبط العامّة وحملهم على السّنّة فان كثيرا من العوامّ لا يذعن للعدل ولا ينقاد للحق فإذا لم يكن عليهم خوف مالوا إلى البطالة وتعطيل السنّة فلا بد من مدبّر جامع يجمع امر العائلة كهؤلاء سيّما الياذة « 1 » ومدائنها فانّها قد اتّصلت كلّها مدينة واحدة . وليس يؤتى صلاح المدائن الّا من صلاح الرؤساء والمدبّرين كالذين رأينا في مدائن لقذيمونة « 2 » واثيناس فإنه كان في بعضها سلاطين جابرة وضعوا « 3 » سننا وفي بعضها قوّام عدول فبنيت لذلك هذه المدائن وبعد صوتها . وكذلك المدائن التي دخلها الخلل والفساد والانتشار انما أتيت من سوء اثر الرؤساء والمدبّرين فصرفوا همّتهم إلى اللذّات الزمنيّة فأهملوا التدبير الباقي اثره وذكره على وجه الأرض إلى الدهر . فقد ينبغي للمدبّر ان لا يتّخذ الرعيّة مالا ولا مأكلا ولا قنية ولكن يتّخذهم اهلا واخوانا وان لا يرغب في الكرامة التي من العامّة « 4 » كرها ولكن في التي يستحقّها بحسن الأثر وصواب التدبير وقد يحتاج المدبّر إلى أن يجتمع له أمران هما من أعظم الأمور خطرا وأكبرها
--> ( 1 ) اي بلاد اليونان . وفي الأصل : الاذة ( 2 ) وفي الأصل : بعديموته ( خ ) ( 3 ) وقد روى ليبرت « وضعوا » وهو غلط ( 4 ) وفي طبقات الاطبّاء لابن أبي اصيبعة ( 1 : 65 ) : التي ينالها من العامّة